صوت النساء في العاصفة الرقمية

بقلم: ريان مختار

العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي في السودان أثناء الحرب

تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن سؤال: كيف يُستخدم العنف الرقمي كأداة لإسكات النساء في السودان أثناء الحرب، وما آثاره النفسية والاجتماعية؟

يندرج هذا التحقيق ضمن تحليل العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، وهو شكل من أشكال العنف الذي يُمارَس عبر الوسائط الرقمية، ويستهدف النساء والفتيات تحديداً بسبب نوعهن الاجتماعي. ويشمل ذلك التهديد الجنسي، والتشهير، والابتزاز، والمراقبة الرقمية، وتسريب المعلومات الشخصية.

ويختلف هذا النوع من العنف عن العنف الرقمي العام في كونه لا يستهدف الرأي فقط، بل يسعى إلى ضبط الجسد، ومعاقبة النساء على الظهور في الفضاء العام، وإعادة إنتاج علاقات القوة الأبوية عبر التكنولوجيا.

خلال النزاعات المسلحة، يتضاعف خطر هذا العنف. إذ تتداخل الرقابة السياسية مع الخطاب الذكوري، وتضعف آليات الحماية والمساءلة، ما يحوّل الفضاء الرقمي إلى امتداد مباشر لساحات الصراع الواقعي.

تركّز هذه المادة على تحليل تجارب ست نساء سودانيات — ناشطات سياسيات، وصحفيات، ومدافعات عن حقوق الإنسان — تعرّضن للعنف الرقمي أثناء الحرب. ويستند التحليل إلى مقابلات نوعية معمّقة، بهدف فهم أنماط الاستهداف وآثاره النفسية والاجتماعية، دون تقديم مقالة رأي.

بين الحرب والهاشتاغ: فضاء غير آمن

شكّل الفضاء الرقمي في السودان، خلال فترات سابقة، متنفساً للنقاش الحر وتبادل الآراء. غير أنه، ومع تصاعد الصراع المسلح، تحوّل إلى ساحة جديدة للعنف الموجّه ضد النساء.

أصبحت منصّات مثل فيسبوك وإكس مساحات استهداف منظّم، تُشنّ عبرها حملات ضد الناشطات السياسيات، والصحفيات، والمدافعات عن حقوق الإنسان. وتشير المقابلات إلى أن هذه الحملات غالباً ما تنطلق من حسابات سياسية أو مجموعات داعمة لأطراف النزاع.

تكشف البيانات المستخلصة من المقابلات أن الاستهداف يرتبط بشكل مباشر بآراء المشاركات السياسية، أو نشاطهن النسوي، أو دعوتهن للسلام. ويجعل ذلك الوجود الرقمي للنساء فعلاً محفوفاً بالمخاطر، ويتطلب مستوى مرتفعاً من الوعي بالأمن الرقمي.

المـــــــــــــنهجية

ورغم محدودية عدد المشاركات، إلا أن عمق المقابلات سمح باستخلاص أنماط متكررة ذات دلالة تحليلية.”

اعتمدت هذه المقالة على ست مقابلات نوعية شبه منظّمة مع مشاركات تم اختيارهن عبر شبكات نسوية وحقوقية، بناءً على تعرّضهن المباشر للعنف الرقمي خلال العامين الأخيرين.

تناولت المقابلات محاور شملت: طبيعة الانتهاكات، والمنصات المستخدمة، والأثر النفسي والاجتماعي، وآليات الحماية، واستراتيجيات المواجهة.

أُجريت المقابلات في بيئة آمنة، مع ضمان السرية وعدم الكشف عن الهوية، واعتماد السرد الشخصي مدخلاً أساسياً للتحليل.

أنماط العنف الرقمي: سلاح الخوف والإقصاء

بالانتقال من السياق العام إلى التجربة المعاشة، تكشف المقابلات عن أنماط متكررة وواضحة من العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي.

أشارت أربع من أصل ست مشاركات إلى تعرّضهن لحملات تشهير منسّقة، شملت استخدام هاشتاغات تتهمهن بـ«العمالة» أو «الانحلال الأخلاقي». وتُعد هذه الاتهامات شائعة في السياق السوداني، وتُستخدم لنزع الشرعية السياسية والأخلاقية عن النساء.

وذكرت ثلاث مشاركات أن منصة فيسبوك كانت الأكثر استخداماً في هذه الهجمات، بسبب انتشارها وسهولة إعادة تداول المحتوى، بينما أشارت مشاركتان إلى منصة إكس بوصفها مساحة رئيسية للتحريض السياسي.

لم تكن الاعتداءات مقتصرة على تعليقات فردية، بل اتخذت شكل حملات متواصلة استخدمت أدوات متعددة، من بينها:

  • التهديد بالاغتصاب والقتل (ورد في أربع مقابلات).
  • التنمر والشتائم المنظمة.
  • تسريب الصور والمعلومات الشخصية (ثلاث مقابلات).
  • تشويه السمعة عبر منشورات مضلّلة.
  • المراقبة الرقمية وتتبع المواقع الجغرافية.

مشاركة — ناشطة سياسية:

«تلقيت تهديداً بطفلتي إن واصلت النشر عن السلام، وكانوا يعرفون مكاننا بدقة. »

“يعكس هذا الاقتباس استخدام التهديد الجنسي كوسيلة لإسكات النساء.”

مشاركة — صحفية مستقلة:

«كل رسالة تهديد تُرسل لامرأة هي محاولة لإسكات صوت، لكن الصمت لا يحمي. »

يشير تكرار التهديد بالاغتصاب إلى استخدام الجسد بوصفه أداة لإخضاع النساء والنيل من كرامتهن. كما يعكس تسريب الصور والمعلومات الشخصية محاولة لنقل العنف من الفضاء الرقمي إلى الواقع المادي.

ويكشف استهداف الأطفال والأمومة عن توظيف الأدوار الاجتماعية للنساء كوسيلة ضغط نفسي وسياسي، بهدف إجبارهن على الصمت.

الجرح غير المرئي: الأثر النفسي والاجتماعي

لم يقتصر أثر العنف الرقمي على المجال الافتراضي، بل خلّف آثاراً نفسية واجتماعية عميقة. أظهرت المقابلات مشاعر مشتركة بين المشاركات، شملت:

  • الخوف والقلق المستمر.
  • اضطراب النوم.
  • فقدان الثقة.
  • الخوف على الأطفال.
  • الرقابة الذاتية على المحتوى.

مشاركة — صحفية:

«توقفت عن الكتابة لفترة لأنني شعرت بأن كل كلمة قد تجرّ عليّ تهديداً جديداً، لكن الصمت كان أكثر إيلاماً. »

أشارت ثلاث مشاركات إلى حذف منشورات قديمة أو الانسحاب المؤقت من النقاش العام، ليس نتيجة تغيير القناعات، بل تجنباً لتصعيد العنف. ويُظهر ذلك أن العنف الرقمي يترك ندوباً غير مرئية تحدّ من مشاركة النساء في الحياة العامة.

غياب الحماية وصعود التضامن النسوي

فاقم غياب الحماية المؤسسية من أثر هذا العنف. أكدت معظم المشاركات أن اللجوء إلى الشرطة لم يكن خياراً آمناً، وأن استجابة المنصات الرقمية للبلاغات كانت محدودة.

مشاركة — مدافعة عن حقوق الإنسان:

«قدّمت بلاغاً لفيسبوك مرفقاً بالتهديدات، ولم أتلقَّ سوى رسالة تلقائية، بينما ظل الحساب نشطاً. »

يعكس هذا الغياب بيئةً مشجّعة للمعتدين، حيث يُنظر إلى العنف الرقمي كفعل بلا عواقب. وفي ظل هذا الفراغ، تعتمد النساء على شبكات دعم غير رسمية، ما ينقل عبء الحماية من المؤسسات إلى الضحايا أنفسهن.

الوعي كسلاح مضاد

رغم أن العنف الرقمي يُستخدم لإسكات النساء وتقليص حضورهن في الفضاء العام أثناء الحرب في السودان، تُظهر نتائج هذا التحقيق أن الاستهداف الرقمي لا يؤدي بالضرورة إلى الصمت. في بعض الحالات، دفع الاستهداف النساء إلى تطوير استجابات رقمية استراتيجية، تعكس وعياً متزايداً بطبيعة العنف وأبعاده الجندرية والسياسية.

أفادت خمس مشاركات بتغييرات ملموسة في سلوكهن الرقمي، شملت إيقاف مشاركة المواقع الجغرافية، وتشديد إعدادات الخصوصية، والتبليغ المنهجي عن الحسابات المسيئة. هذه الممارسات تمثل استجابات مباشرة لآثار العنف الرقمي النفسية والاجتماعية،و تعكس في الوقت ذاته حرصًا على الاستمرار في المشاركة العامة.

تحليل مقترحات المشاركات يُظهر ثلاثة مسارات مترابطة للاستجابة: أولها، الأمن الرقمي كشرط أساسي لاستمرار الوجود في الفضاء العام؛ ثانيها، مواجهة خطاب لوم الضحية الذي يعيد إنتاج العنف ويزيد من تأثيره النفسي والاجتماعي؛ وثالثها، التوثيق والمساءلة، عبر حفظ الأدلة وتحويل التجربة الفردية إلى قضية عامة قابلة للمحاسبة.

تشير هذه النتائج إلى أن العنف الرقمي لا يعمل فقط كأداة إسكات، بل يولد آثاراً نفسية واجتماعية تدفع النساء إلى تعديل أنماط مشاركتهن الرقمية، بما يعيد تشكيل حضورهن في الفضاء العام أثناء الحرب .

خاتــــــمة

يُظهر هذا التحقيق أن العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي في السودان يُستخدم كأداة لإقصاء النساء من الفضاء العام، في سياق يرتبط بالحرب وضعف آليات الحماية والمساءلة. وتبيّن الحالات المدروسة أن هذا العنف يعكس استمرارية لبُنى قمعية قائمة، يُعاد إنتاجها عبر المنصات الرقمية.

وتشير نتائج التحليل إلى أن مواجهة هذا النمط من العنف تتطلّب مقاربات منهجية تشمل الأمن الرقمي، والتوثيق والمساءلة، ومعالجة خطاب لوم الضحية، بوصفها عوامل مؤثرة في استدامة مشاركة النساء الرقمية.