
بقلم: أمنة جبريل
مقدمة
يشهد السودان منذ اندلاع الحرب الأخيرة موجة متصاعدة من العنف بجميع أشكاله، لكن أكثرها قسوة وتجاهلاً هو العنف القائم على النوع الإجتماعي. ففي ظل انهيار مؤسسات الدولة وتفكك النسيج الاجتماعي، أصبحت النساء والفتيات أهدافاً مباشرة للعنف الجسدي والجنسي والنفسي. هذا النمط من العنف ليس جديداً على النزاعات المسلحة في السودان، لكنه اليوم يتخذ أشكالاً أكثر اتساعاً وتعقيداً، حيث تتداخل الأبعاد الجسدية والاجتماعية والرقمية لتجعل النساء في مواجهة متعددة الجبهات.
في هذه التدوينة أستعرض حالة لإمرأة نازحة من الخرطوم، تعرضت للعنف الرقمي أثناء الحرب. بعد أن فقدت منزلها، لجأت إلى منصات التواصل الاجتماعي لتطالب بالسلام، لكنها وجدت نفسها هدفاً لحملات تشويه وصور مفبركة، ما جعلها تواجه شكلاً جديداً من العنف في فضاء الإنترنت. ومع ذلك، استطاعت أن تحوّل هذه التجربة إلى مساحة للمقاومة والدعم، عبر بناء شبكة تضامن مع نساء أخريات.
تعتمد هذه التدوينة على مراجعة منشورات رقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى شهادات موثقة من منظمات نسوية عاملة في السودان. تم الاستناد إلى شهادات من مقابلات مباشرة أجرتها تلك المنظمات مع النساء النازحات، إلى جانب مصادر ثانوية منشورة في تقارير رقمية.
كما تم اختيار حالة واحدة بوصفها نموذجاً متكرراً يعكس تجارب عدد من النساء النازحات اللواتي تعرضن للعنف الرقمي أثناء الحرب. هذا الاختيار يتيح تسليط الضوء على أنماط متكررة من الاستهداف، ويُظهر كيف يتداخل العنف الرقمي مع أشكال أخرى من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
يعتمد التحليل على منهجية بحث نوعي، تقوم على تحليل مضمون روايات المشاركات، واستخراج الأنماط المتكررة والدلالات الاجتماعية، بما يتيح فهم أعمق لتجربة النساء في فضاء الإنترنت خلال النزاع المسلح
ماهية العنف في زمن الحرب القائم على النوع الاجتماعي
العنف القائم على النوع الاجتماعي يُعرّف بأنه أي فعل ضار يُرتكب ضد إرادة المرأة أو الفتاة، ويستند إلى أدوار اجتماعية مفروضة أو علاقات قوة غير متكافئة. وتتجلى مظاهره في أشكال متعددة مثل الاغتصاب الجماعي، التحرش الجنسي، الزواج القسري، الاستعباد الجنسي، والعنف المنزلي.
في السياق السوداني، يتضاعف هذا العنف بفعل النزاع المسلح وإنهيار مؤسسات الحماية الرسمية، حيث تجد النساء والفتيات أنفسهن في مواجهة مباشرة مع انتهاكات جسدية ونفسية واجتماعية، دون وجود آليات فعّالة للإنصاف أو الدعم. كما أن تفكك النسيج الاجتماعي وتراجع سلطة القانون يفتح المجال أمام ممارسات أكثر قسوة وتعقيداً، تجعل من النساء أهدافاً سهلة للعنف المنهجي والمتكرر.
وفق تقارير منظمات إنسانية من بينها الأمم المتحدة ومنظمات محلية نسوية، تم توثيق مئات الحالات في كل مناطق السودان، خاصة في دارفور، الخرطوم، الجزيرة وجنوب كردفان. تحليل هذه الحالات يظهر نمطين رئيسيين: –
استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب لإذلال المجتمعات، واستهداف النساء اللواتي يعانين من إنعدام الحماية القانونية والاجتماعية فقد وثّقت هيومن رايتس ووتش أعمال عنف جنسي واسعة النطاق في الخرطوم، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والزواج القسري، ووصفتها بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا بعنوان “لقد اغتصبونا جميعًا” يوثق 36 حالة اغتصاب جماعي واستعباد جنسي ارتكبتها قوات الدعم السريع، مؤكدة أن العنف الجنسي كان أداة لإذلال النساء وتشريد المجتمعات.
العنف الرقمي كامتداد للعنف في الواقع
بينما يُعرف العنف الرقمي بأنه استخدام التكنولوجيا والمنصات الإلكترونية لإلحاق الأذى النفسي أو الاجتماعي بالنساء، مثل التشهير أو الابتزاز وأيضا التضليل و الاستدراج و الملاحقة .لا تقل آثار العنف الرقمي عن الأنواع الاخرى للعنف كلاثار النفسية والجسدية والإجتماعية فهو امتداد للعنف في الواقع كتصوير الضحايا أثناء الإغتصاب ليكون سلاح ابتزاز وتشهير حسب رصد جهات تعمل في تقديم الخدمات لضحايا العنف.
الرواية
إحدى النازحات من الخرطوم، والتي وجدت نفسها في معسكر بولاية الجزيرة بعد أن فقدت بيتها وكل ما كانت تملك، روت تجربتها قائلة: “حين انهار عالمي أمام عيني، لم يبقَ لي سوى صوتي. بدأت أكتب على فيسبوك لأصرخ من أجل السلام، لأقول إننا نستحق حياة بلا خوف. لكن فجأة، ظهرت حسابات وهمية تحمل اسمي وصوراً مفبركة، تتهمني بالخيانة وتشوّهني أمام الناس. كنت أبكي حتى يغلبني التعب كل ليلة، أشعر أنني محاصرة حتى في غربتي.
ومع ذلك، رفضت أن أُكسر. قررت أن أصمد، أن أواجه الكذب بالصوت الحقيقي. وجدت نساء أخريات مررن بنفس الجرح، بنفس الخوف، فصرنا نلتقي عبر واتساب. هناك، وسط الكلمات البسيطة والدموع التي تتحول إلى قوة، صنعنا لأنفسنا مساحة صغيرة من الأمان والدعم. صرنا نواسي بعضنا، نرفع بعضنا من تحت الركام، ونؤمن أن صوت المرأة النازحة لا يمكن أن يُسكت.”
تحليل الحالة
هذه الرواية الفردية تكشف عن أنماط متكررة من العنف الرقمي ضد النساء في السودان، مثل التشهير، الابتزاز، والهجوم المنظم على الأصوات النسوية. ورغم أنها حالة واحدة، إلا أنها تعكس أنماطاً متكررة ظهرت في روايات نساء أخريات، ما يجعلها نموذجاً دالاً على طبيعة العنف الرقمي في زمن الحرب.
لماذا تمثل نمطاً؟ لأنها تجمع بين عناصر متكررة: فقدان الأمان، الاستهداف عبر الحسابات الوهمية، والتشويه الممنهج للأصوات النسائية.
علاقتها بالحرب: الحرب وفرت بيئة خصبة لانهيار مؤسسات الحماية، ما جعل النساء عرضة ليس فقط للعنف الجسدي، بل أيضاً للعنف الرقمي الذي يستغل هشاشة الوضع الاجتماعي.
ما الذي تكشفه عن الفضاء الرقمي؟ أن الفضاء الرقمي أصبح امتداداً للعنف القائم على النوع الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه تحول إلى مساحة بديلة للمقاومة والتضامن، حيث استطاعت النساء خلق شبكات دعم صغيرة عبر تطبيقات مثل واتساب.
هذا التحليل النوعي يوضح أن العنف الرقمي ليس مجرد ظاهرة معزولة، بل هو جزء من منظومة أوسع من العنف القائم على النوع الاجتماعي في السودان، يتداخل فيها الجسدي والاجتماعي والرقمي ليضاعف من معاناة النساء، وفي المقابل يفتح نافذة للمقاومة الجماعية.
الصمت
أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن عدد الأشخاص المعرضين للعنف تضاعف ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب، ليصل إلى أكثر من 12 مليون شخص، معظمهم من النساء والفتيات النازحات. ورغم هذا الحجم الكبير من الانتهاكات، فإن كثيراً من الضحايا لا يبلغن عنها. المحامي والناشط الحقوقي عبد الله نقة أوضح أن الخوف من الوصمة الاجتماعية وغياب مؤسسات عدلية مستقلة يدفع النساء إلى الصمت، وهو ما يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب ويجعل العنف جزءاً من “الروتين اليومي” للحرب.كما أسرد قصة لإمرأة فارة من الحرب ولاجئة في دولة مجاورة، “روت أنها تلقت تهديدات عبر فيسبوك وصلت حد القتل والتشويه بـ”ماء النار”. لكنها اختارت عدم الإبلاغ، لأنها لا تثق أن حقوقها ستُحفظ، بل تخشى أن يعود الإبلاغ عليها بضرر أكبر. تقول إنها آثرت الصمت والخروج من البلد نهائياً خوفاً على حياتها.”
تكشف مثل هذه الشهادات أن الصمت ليس خياراً فردياً فحسب، بل هو نمط متكرر بين النساء خلال الحرب في السودان، فغياب مؤسسات الحماية والتوثيق يجعل الضحايا بين خيارين أحلاهما مر: مواجهة الخطر أو الانسحاب والصمت. ورغم أن الحالة السابقة تبدو فردية، إلا أنها تعكس أنماطاً متكررة ظهرت في روايات نساء أخريات، ما يوضح أن الصمت والإفلات من العقاب يمثلان فجوة أساسية في مواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي في السودان.
الفضاء الرقمي بين الدعم والاستغلال
حملات مثل #لاللعنف ضدالنساء و #سودانيات ضد_الحرب أسهمت في كسر الصمت، وتشكيل شبكات دعم نفسي وقانوني للضحايا، خصوصاً داخل الشتات السوداني و في المقابل، تعرضت ناشطات للتشهير والابتزاز والعنف اللفظي والجنسي الإلكتروني وهو الذي أظهره تحليل مضمون المنشورات الرقمية التي تظهر دلالات اجتماعية واضحة: محاولة إسكات الأصوات النسوية واقصائها من المجال العام.
المرأة السودانية بين الخوف والمقاومة
“رغم كل ذلك، تظل المرأة السودانية في طليعة الحراك الاجتماعي والحقوقي من النازحات في المعسكرات إلى الناشطات في المنفى، تُظهر النساء صموداً لافتاً في مواجهة العنف. لقد حولن المنصات الرقمية إلى مساحات بديلة للوجود والمقاومة، حيث يتم تبادل المعلومات حول مراكز الإيواء، والدعم النفسي، والاستشارات القانونية”حسب إحدى الناشطات النسويات المختصات في تقديم الدعم النفسي التي إلتقيتُ بها في إحدى ورش العمل.
خاتمة
العنف القائم على النوع الاجتماعي في السودان ليس عرضاً جانبياً للحرب، بل هو أحد أدواتها. ومع أن المنصات الإلكترونية فتحت فضاءً جديداً للنساء لتوثيق الانتهاكات ورفع أصواتهن، إلا أنها أيضاً خلقت جبهة أخرى من العنف.
التحليل النوعي لروايات المشاركات يوضح أنماطاً متكررة: الصمت المفروض، الإفلات من العقاب، والانتقال من العنف الواقعي إلى الرقمي و أيضاً من الرقمي إلى الواقعي. النتيجة الأساسية هي أن الفضاء الرقمي يحمل دلالات اجتماعية مزدوجة: فهو ساحة للعنف، لكنه أيضاً أداة للمقاومة.
يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه المنصات إلى أدوات للحماية والتمكين، لا ساحة جديدة للعقاب والتشهير. ولتحقيق ذلك، يجب دعم المبادرات النسوية الرقمية، وتطوير تشريعات تحمي النساء من العنف الإلكتروني، وإعادة بناء مؤسسات العدالة لضمان محاسبة الجناة في الواقع والفضاء الرقمي معاً.
